الاستيطان الممنهج في إقليم قاش بركا: بين سياسات التغيير الديموغرافي وأدوات السيطرة السياسية
إري نيوز 24
مقدمة
تواصل الحكومة الإريترية تنفيذ سياسة الاستيطان الممنهج في إقليم قاش بركا، عبر مصادرة أراضي السكان المحليين بحجة أنها ملك للدولة. هذه الاستراتيجية لا تقتصر على إعادة توزيع الأراضي، بل تعد جزءًا من مشروع سياسي أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية، وضمان ولاء الفئات السكانية الجديدة للحزب الحاكم، مما يؤدي إلى تفاقم الانقسامات العرقية والدينية، وخلق واقع جديد يخدم مصالح النظام.
إعادة التوزيع السكاني: استراتيجية سياسية بواجهة تنموية
منذ الاستقلال، تبنت الحكومة الإريترية سياسات إعادة التوزيع السكاني، مستهدفة مناطق ذات أغلبية مسلمة مثل قاش بركا. يتم نقل سكان من مناطق كبسا والإقليم الجنوبي، وغالبيتهم من المسيحيين، وتوطينهم في أراضي السكان الأصليين. هذه الممارسات توازي سياسات مماثلة استخدمتها أنظمة أخرى عبر التاريخ لفرض السيطرة السياسية من خلال تفكيك النسيج الاجتماعي لمناطق معينة.
الحكومة تروج لهذا التغيير كخطوة تنموية تهدف إلى “الاستفادة من الأراضي غير المستغلة”، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه السياسة تؤدي إلى إفقار السكان الأصليين، وتقليص نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي، وتحجيم دورهم السياسي.
مبادرات المصالحة: غطاء لتثبيت الأمر الواقع
تروج الحكومة لمبادرات المصالحة، مثل الاجتماعات التي عقدتها وزيرة العدل فوزية هاشم، كإجراءات لحل النزاعات، لكنها في جوهرها ليست سوى أدوات سياسية لتهدئة التوترات دون معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة. هذه المبادرات تتجاهل قضايا حقوق الملكية التاريخية، وتغض الطرف عن تأثير التغيير الديموغرافي، ما يجعلها غير قادرة على تحقيق سلام مستدام.
بالمقارنة مع سياسات مشابهة في مناطق أخرى، نجد أن استخدام أدوات المصالحة الشكلية دون إصلاحات حقيقية يؤدي غالبًا إلى تصاعد الصراعات، خاصة عندما يشعر السكان الأصليون بأنهم يُجردون من حقوقهم لصالح جماعات مدعومة حكوميًا.
التغيير الديموغرافي وتأثيره على موازين القوى السياسية
إعادة التوزيع السكاني في إريتريا لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام. فإلى جانب استهداف مناطق معينة، يتم استخدام هذه السياسات لضمان السيطرة السياسية للحزب الحاكم. الفئات السكانية التي يتم توطينها غالبًا ما تكون أكثر ولاءً للنظام، ما يساهم في خلق قاعدة اجتماعية تدعم بقاء الحزب في السلطة.
هذا النمط يتشابه مع استراتيجيات بعض الأنظمة التي استخدمت تغييرات ديموغرافية لضمان الولاء السياسي، مثل سياسات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، أو سياسات التهجير القسري في بعض الدول الأفريقية. الفرق في الحالة الإريترية أن هذه الممارسات تتم داخل الدولة نفسها ضد جزء من شعبها، مما يفاقم الانقسامات الداخلية.
التداعيات المستقبلية وخيارات الحل
إذا استمرت هذه السياسات دون تدخل إصلاحي حقيقي، فإن النتائج قد تكون كارثية على المدى الطويل. خلق واقع ديموغرافي جديد يؤدي عادة إلى مقاومة متزايدة من السكان الأصليين، مما قد يفضي إلى نزاعات طويلة الأمد.
الحل يكمن في تبني سياسة أكثر عدالة تعترف بحقوق السكان الأصليين، وتضمن إعادة الأراضي إلى أصحابها الشرعيين، مع تقديم حلول تنموية حقيقية تخدم جميع الفئات دون تمييز. كما يجب على أي مبادرة مصالحة أن تكون شاملة، وتعتمد على معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، بدلًا من مجرد إدارة تداعياته.
خاتمة
ما يحدث في قاش بركا ليس مجرد إعادة توزيع للأراضي، بل هو جزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى فرض واقع جديد يخدم مصالح النظام. بدون إصلاحات حقيقية واعتراف رسمي بالمظالم التاريخية، ستظل المنطقة قنبلة موقوتة، قد تنفجر في أي لحظة، مهددةً الاستقرار السياسي والاجتماعي في إريتريا بأكملها.