تحليلات سياسية

حكومة المنفى الإريترية: بين الضرورة السياسية والتحديات الواقعية

حكومة المنفى الإريترية: بين الضرورة السياسية والتحديات الواقعية

إري نيوز 24

مقدمة

في ظل حكم استبدادي مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، تتزايد الدعوات لتشكيل حكومة إريترية في المنفى كخطوة نحو إنهاء النظام القائم في أسمرة. النظام الإريتري، بقيادة إسياس أفورقي، يعتمد على القمع السياسي والعزلة الدولية لمنع أي تحركات معارضة مؤثرة، مما دفع جزءًا كبيرًا من النخب السياسية إلى خارج البلاد. لكن رغم محاولات المعارضة في الشتات، لم تنجح أي حكومة منفى إريترية حتى الآن في تحقيق زخم سياسي حقيقي.

هل يمكن لحكومة إريترية في المنفى أن تكون أداة فعلية للتغيير، أم أنها ستبقى مجرد كيان رمزي بدون تأثير حقيقي؟ هذا التحليل يستعرض الإمكانات السياسية، التحديات، والفرص، مع مقارنة بالتجارب الإقليمية الناجحة والفاشلة.


السياق السياسي لحكومة المنفى الإريترية

1. طبيعة النظام الإريتري والاستبداد المطلق

يتميز النظام الحاكم في إريتريا بأنه واحد من أكثر الأنظمة السلطوية في العالم، حيث لا توجد انتخابات، ولا دستور مطبق، ولا حريات مدنية أو سياسية. كل أشكال المعارضة داخل البلاد تم سحقها، مما أجبر المعارضة السياسية على الهجرة إلى الخارج. على مر السنين، حاولت المعارضة تنظيم نفسها عبر تجمعات سياسية، مثل المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي، لكن غياب وحدة الرؤية والافتقار إلى الدعم الإقليمي والدولي حال دون تحقيق أي نتائج ملموسة.

2. جذور فكرة حكومة المنفى في إريتريا

ظهرت الفكرة بقوة في 2021 و2025، حيث دعا ناشطون سياسيون إلى تشكيل حكومة انتقالية تعمل من الخارج امثال الاستاذ صالح قاضي جوهر. كان الهدف هو تقديم بديل سياسي للنظام الحالي، توحيد المعارضة، وكسب اعتراف دولي. لكن عدم وجود قيادة موحدة، إلى جانب التنافس بين الفصائل، أدى إلى تراجع المشروع.

في يناير 2025 وعقب تنصيب رونالد ترامب أُعلن عن تشكيل حكومة إريترية في المنفى برئاسة قبري بهدوراى، لكن الإعلان لم يحظَ بتأييد واسع من مختلف مكونات المعارضة، مما كشف عن الانقسامات العميقة داخل المشهد السياسي الإريتري. يذكر ان  الاستاذ بهدوراي أجرى عدد من اللقاءات في منصات التواصل الاجتماعي للاجابة على تساؤلات الجمهور.


الفرص الممكنة لحكومة المنفى

1. ملء الفراغ السياسي وخلق بديل شرعي

حكومة المنفى يمكن أن توفر إطارًا سياسيًا بديلاً للنظام الحالي، خاصة إذا تمكنت من توحيد مختلف الفصائل تحت رؤية واضحة للإصلاح السياسي. يمكنها أيضًا العمل كحلقة وصل بين المعارضة في الداخل والخارج، مما يعزز إمكانية تنظيم تحركات سياسية مؤثرة.

2. الدعم الدولي والإقليمي

في العديد من الحالات، لعب الاعتراف الدولي دورًا رئيسيًا في تعزيز شرعية حكومات المنفى. المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) في جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، حظي بدعم دولي واسع خلال نضاله ضد الفصل العنصري، مما ساعده على العودة إلى الحكم بعد سقوط النظام.

يمكن لحكومة إريترية في المنفى الضغط على الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، والولايات المتحدة للحصول على اعتراف رسمي ودعم دبلوماسي. ولكن هذا يتطلب استراتيجية سياسية واضحة وتواصلًا منظمًا مع الجهات الفاعلة دوليًا.

3. استغلال المعارضة في الشتات

إريتريا لديها جالية كبيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية، يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للدعم السياسي والمالي. يمكن لحكومة المنفى تنظيم هذه الجاليات لتشكيل لوبي ضاغط، على غرار ما فعله التيغراي والإثيوبيون خلال الحرب الأهلية الإثيوبية الأخيرة.


التحديات الرئيسية التي تواجه حكومة المنفى

1. غياب الوحدة داخل المعارضة

المعارضة الإريترية تعاني من انقسامات سياسية وإثنية وأيديولوجية. في الوقت الذي يطالب فيه البعض بحكومة ديمقراطية علمانية، يركز آخرون على المطالب العرقية والدينية. هذا التباين يجعل من الصعب تشكيل كيان موحد قادر على تمثيل جميع الإريتريين.

المجلس الوطني الإريتري للتغيير الديمقراطي، الذي كان أحد المحاولات الرئيسية لتوحيد المعارضة، لم يتمكن من خلق قيادة متماسكة، مما أدى إلى انقسامه لاحقًا. أي حكومة منفى ستواجه نفس العقبة إذا لم تستطع بناء رؤية مشتركة تشمل جميع القوى السياسية.

2. صعوبة التواصل مع الداخل

  • إريتريا تعيش في عزلة سياسية وإعلامية شبه كاملة، حيث تفرض الحكومة رقابة صارمة على الإنترنت ووسائل الإعلام، مما يصعب وصول أي خطاب معارض إلى الداخل.
  • رغم نجاح المعارضة السودانية والإثيوبية سابقًا في التواصل مع شعوبها، فإن الوضع في إريتريا مختلف بسبب القبضة الأمنية القوية للنظام.

3. عدم وجود دعم إقليمي قوي

  • إثيوبيا، التي يمكن أن تكون داعمًا رئيسيًا لأي تغيير في إريتريا، تمر بصراعات داخلية تجعلها غير قادرة على دعم أي مشروع سياسي خارجي.
  • السودان، الذي كان تاريخيًا ملاذًا للمعارضة الإريترية، يعاني من حالة عدم استقرار سياسي وحرب داخلية، مما يجعله غير مؤهل لدعم حكومة منفى.
  • الولايات المتحدة وأوروبا لم تظهر حتى الآن استعدادًا لتبني سياسة حازمة ضد النظام الإريتري، وتركز أكثر على استقرار المنطقة بدلاً من دعم تغيير النظام.

مقارنة مع تجارب أخرى في المنطقة

1. التجربة الناجحة: المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا

  • استفاد من دعم دولي قوي وعزلة النظام العنصري.
  • كان لديه هيكل تنظيمي واضح، وزعيم قوي (نيلسون مانديلا).
  • حافظ على اتصال مستمر بالداخل عبر العمل السري والمسلح.

2. التجربة الفاشلة: المجلس الوطني العراقي

  • كان معزولًا عن الشعب داخل العراق.
  • اعتمد بالكامل على القوى الخارجية (الولايات المتحدة).
  • لم يستطع بناء شرعية سياسية حقيقية بعد سقوط صدام حسين.

إذا أرادت حكومة المنفى الإريترية النجاح، فعليها تفادي أخطاء العراق والاستفادة من تجربة جنوب إفريقيا عبر التركيز على الشرعية الشعبية والتواصل مع الداخل.


خاتمة: هل حكومة المنفى خيار واقعي؟

رغم أن حكومة المنفى قد تبدو حلاً جذابًا للمعارضة الإريترية، إلا أن نجاحها يعتمد على التغلب على الانقسامات الداخلية، الحصول على دعم دولي، والتواصل مع الداخل بفعالية. بدون هذه العوامل، ستظل مجرد كيان رمزي بدون تأثير حقيقي.

إذا أرادت المعارضة تحقيق تغيير فعلي، فإن تشكيل حكومة في المنفى يجب أن يكون خطوة مدروسة ضمن استراتيجية شاملة تشمل الدبلوماسية، الضغط الدولي، وبناء قاعدة دعم داخل البلاد. بدون ذلك، ستبقى فكرة حكومة المنفى مجرد تكرار لمحاولات سابقة لم تحقق أي نتائج ملموسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى