لم تعد معركة السلطة في إرتريا تُدار على سطح السياسة وحدها، وانما انتقلت إلى عمق البنية الرمزية للمجتمع. في اللحظة التي يتخلى فيها نظام “افورقي” في اسمرا عن شرعية الإنجاز أو تمثيل المجتمع، يصبح الخيار الوحيد أمامه هو تفكيك هذا المجتمع ذاته، وتحطيم ركائزه الثقافية والدينية واللغوية، ليُعيد إنتاجه بوصفه كياناً بلا ذاكرة، وبلا هوية، وبلا أدوات تعبير مستقلة. في مثل هذه اللحظات لا تعود الهُوية مجرّد موروث رمزي، وانما تتحول الى ساحة صراع سياسي وتصبح اللغة رهاناً على السلطة والدين ميداناً تتواجه فيه إرادات الهيمنة والشرعية.
حادثة اغلاق مركز تحفيظ القرآن الكريم في مدينة “قتدع” واعتقال أحد علمائها البارزين ليست واقعة عابرة أو اجراءً بيروقراطياً، وانما كاشفة عن سياسة ممنهجة تستهدف الإسلام ليس كمعتقد فردي بل كمجال مؤسسي واجتماعي مستقل عن الدولة، قادر على انتاج شبكة رمزية وتنظيمية خارج هيمنة المركز. هذا النوع من القمع يُمارس من موقع عقل سلطوي يرى في كل ما لا يخضع لمركزتيه تهديداً حتى وان كان مركزاً لتحفيظ كتاب الله.
هذه الممارسات لا تنفصل عن تاريخ أطول من محاولات تفكيك البنية الثقافية الإسلامية في ارتريا. فمنذ الحقبة الاستعمارية الإيطالية ثم البريطانية ظهرت محاولات ممنهجة لأقصاء اللغة العربية من المجال العام ومنع تدريسها وفرض لغات بديلة تعكس تصورات القوة “الكولونيالية”. ثم خلال فترة “الفدرالية “تحولت هذه الصراعات الى صراع داخلي على هوية الدولة حيث عارضت القوى “الاندنتية” أي اعتراف رسمي باللغة العربية. بينما خاضت قوى الاستقلال – وعلى رأسها “الرابطة الإسلامية- معركة سياسية لإقرار الثنائية اللغوية (العربية – التقرنية) باعتبارها تعبيراً عن المكون التاريخي المتعدد للمجتمع.
اليوم تعود هذه المواجهة بصورة أعنف وأكثر تعقيداً. فالنظام تحت غطاء “الهندسة الأمنية للدولة” لا يكتفي بإقصاء اللغة العربية من مؤسسات الدولة والتعليم وانما يحصرها بوصفها “لغة أقلية” مرتبطة بمكون بعينه في تجاهل متعمد لحقيقة ان اللغة العربية شكلت ركيزة مركزية في الوجدان الثقافي والسياسي للمجتمع المسلم في ارتريا. في المقابل تُفرض اللغة التقرنية لا بوصفها مكوناً من مكونات التعدد بل تُفرض باعتبارها مرجعية حصرية للمجال الرسمي ما يؤدي الى إعادة تشكيل الهوية الوطنية على أسس طائفية مبطنة تُعيد انتاج سلطة مكون واحد على حساب الجميع.
استهداف اللغة العربية والدين الإسلامي لا يفهمان هنا كمسائل دينية او لغوية فحسب بل يُفهم باعتبار جزء من مشروع أوسع لتفكيك المجتمع الارتري. فالمراكز الإسلامية والمساجد والمعاهد التعليمية تشكل فضاءات اجتماعية لإنتاج المعنى والانتماء خارج رواية الدولة. اغلاقها أو تأميمها لا يعكس خشية من التطرف كما تزعم السلطة بل يمثل محاولة لتجريد المجتمع المسلم من أي أدوات استقلال ثقافي او عقدي.
في هذا السياق لا يمكن النظر الى حادثة اغلاق مركز تحفيظ القران الكريم في مدينة “قندع” واعتقال الشيخ آدم شعبان بوصفها مجرد إجراء إداري بل يُنظر اليه كحلقة جديدة في مشروع استئصال البنية الدينية المستقلة للمسلمين في ارتريا . هذا المركز لم يكن مجرد فضاء تعليمي بل كان يمثل امتداداً تاريخي لمعهد ” قندع الإسلامي الذي اغلق هو الآخر عقب حملة امنية في العام 2000م . وقد ظل المركز يعمل لأكثر من أربعة عقود على ارض اوقفها أحد أبرز رموز وعلماء مدينة قندع الشيخ سيد محمد داؤود رحمه الله دون دعم رسمي لكنه كان يؤدي وظيفة تربوية واخلاقية نافذة التأثير ما جعله هدفاً مفضلاً للسلطة.
مصادرة المركز وتسليمه الى وزارة التعليم واعتقال مديره تعكس تصميم النظام على تفكيك ما تبقى من المؤسسات الإسلامية المستقلة ويأتي في سياق قرار استراتيجي يُجرم الاستقلالية الدينية ويُعيد انتاج “الإسلام الرسمي تحت وصاية الدولة. وهي إعادة لذات السياسة التي مارستها السلطة ضد مدرسة الضياء في اسمرا حين تم تأميمها واعتقال رئيس مجلس إدارتها لأنه رفض اخضاع المدرسة لشروط النظام واستشهد لاحقاً في المعتقل دون أن يُحدث ذلك أي صدمة جماعية أو تحرك سياسي يُوازي الجريمة.
- وهذه الحملة المنظمة التي يمارسها النظام ليست وليدة لحظة بل هي امتداد لمسار بدأ منذ اغلاق معاهد بمدينة “كرن وتقييد الحلقات القرآنية، ومنع ترميم وبناء المساجد ومصادرة ممتلكات الوقف الإسلامي، مقابل دعم الكنائس ومنحها امتيازات مفتوحة.
الوزارة المسماة “بالأوقاف ” ليست استثناءً من هذه المعادلة. فقد تحولت فعلياً الى جهاز تنفيذي يضفي طابعاً قانونياً على سياسات القمع دون ان تحمي مسجداً او تدافع عن شيخ او عالم او تصدر بيانا يعترض على سياسات المصادرة والاعتقال. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالعجز بل هو تواطؤ باعتبار الوزارة أداة من ضمن مشروع أكبر لإعادة تعريف المجال الإسلامي في ارتريا كحيز منزوع السيادة ومفرغ من مضمونه الأخلاقي والاجتماعي.

ولعل ما يفاقم من خطورة المشهد هو الصمت المجتمعي العام. فاعتقال العلماء واغلاق المؤسسات ومصادرة الأوقاف باتت تمر دون ردود فعل جماعية تتناسب مع حجم الانتهاك. لقد أصبح الاعتياد على القمع هو القاعدة وتحوّل الخوف الى حالة وعي جماعي مزمنة. يقول المثل العربي “أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض” وهو ما ينطبق اليوم بحذافيره على الواقع الارتري – من كرن الى الضياء ومن أسمرا الى قندع تتوالى الضربات بينما تغيب المقاومة وتنهار منظومات الدفاع الرمزية.
بيان رابطة علماء إرتريا الصادر في 18 يوليو2025 قدّم توصيفاً دقيقاً لهذا المشهد حين أشار الى أن ما جرى في مدينة “قندع” هو اعتداء مباشر على القرآن وأهله، وجزء من سياسة تهدف الى تفريغ المجال الإسلامي من محتواه العقدي والتربوي .وإن لم يكن البيان جديداً من حيث توصيف الواقع الا انه يُعبر عن مستوى غير مسبوق من التآكل في العلاقة بين السلطة والمجتمع المسلم، حيث بات من الواضح أن هناك مشروعاً فعلياً لإعادة تعريف الإسلام كممارسة فردية خالية من الذاكرة والمعنى والتنظيم.

ان مواجهة هذا المشروع الطائفي المقنع بثوب “العلمانية” لا يمكن أن تُدار عبر الصراخ الأخلاقي، ولا بالتوثيق المجرد بل تتطلب مشروعاً سياسياً وثقافياً مضاداً يعيد تعريف الصراع بوصفه معركة على الوعي والمعنى والانتماء. هذا المشروع يجب ان يُعيد الاعتبار للغة العربية كلغة رسمية اصيلة لا دخيلة، وان يستعيد الإسلام كمنظومة اجتماعية تحررية لا كتهديد أمني وان يؤسس لتحالفات عابرة للطوائف والمكونات تُعيد للمجتمع امتلاك أدواته الرمزية.
ما يحدث اليوم ليس مجرد حملة قمع جديدة بل هي لحظة اختبار سياسي واخلاقي لوجود الإسلام كمكون اصيل في الهوية الوطنية الارترية. وان لم تتحرك القوى الوطنية والتنظيمات الإسلامية والمؤسسات الحقوقية بشكل منسق وحازم فإن القادم سيكون مرحلة ما بعد الهوية – مرحلة لا مكان فيها للعلماء أو مدارس أو أوقاف بل يختزل فيها الدين الى مجرد ملف إداري تُشرف عليه الدولة بوصفه ارشيفاً ميتاً منزوع الروح ومحايداً من كل مضمون أخلاقي أو تربوي.
لذلك فإننا نناشد كافة القوى الحية في الداخل والخارج بأن تنتقل من مرحلة الشكوى الى الفعل. آن الأوان لتأسيس جبهة سياسية وأخلاقية تضع حداً لهذا الانحدار وتُعلن صراحة أن القبول بسياسات نزع الهوية هو قبول بتفكيك المجتمع من داخله. المعركة اليوم هي معركة على الوعي والكرامة والمستقبل، ولا كرامة في الصمت، ولا شرعية لسلطة، تُصادر قرآناً، وتعتقل شيخاً، وتُدير ديناً لا تؤمن به.





