في زمن تُصاغ فيه الجغرافيا على مقاس المصالح الكبرى، وتُستهلك فيه الهُويات بوصفها أدوات للصراع، لم تعد الشعوب الصغيرة تملك رفاهية الاصطفاف العاطفي أو المذهبي. لقد أصبح الفعل السياسي، خصوصاً في فضاءات منهكة كفضائنا الإرتري، مرهوناً بالقدرة على قراءة المشهد كما هو لا كما نُحب أن يكون. فالسياسة لا تجري في ساحة العقيدة الخالصة بل في حلبة تتقاطع فيها حسابات الهيمنة وتدار فيها التحالفات بمعايير اللحظة لا المبادئ.
وأمام هذا المشهد لا تملك الشعوب المهمشة خيارا مطلقاً بين الخير والشر بل بين شرّ وآخر. وهنا تحديد “خير الشرين” ليس تبريراً للوقوع في الخطيئة بل تمسك أخلاقي بحد أدنى من الفعل السياسي الوطني الممكن. السجال الذي يتجدد في أوساط إرترية خاصة في منابر التواصل حول الموقف من إيران يعكس هذه المعضلة في أوضح صورها. بين من يرى فيها خصماً طائفياً يجب التصدي له لأنها “عدوة لأهل السنة” ومن يعتبرها قوة مقاومة في وجه الهيمنة الغربية ويبرر الانفتاح عليها وبين هذا وذاك تضيع الأسئلة الجوهرية:
- هل الموقف من إيران يجب أن يُبنى على أساس مذهبي؟
- هل التحالف أو القطيعة معها يخدم المشروع الوطني الإرتري؟
- وهل يمكن لعقل سياسي أسير للغريزة الطائفية أن يصوغ خيارات استراتيجية متماسكة؟
الانجرار الى هذا النوع من الاصطفاف المذهبي دون تفكيك البنية المذهبية السياسية التي تتحرك فيها الأطراف الإقليمية لا يصنع وعياً ولا يبني موقفاً. بل يُعيد إنتاج تلك العبودية الطوعية لمحاور لا ترى في شعوب المنطقة سوى أدوات للضغط أو ساحات تصفية حساب. فمن يختزل الصراع في معادلة “شيعة ضد سنة” إنما يتخلى عن موقعه كفاعل سياسي ويحوّل نفسه إلى ملحق في أجندة ليست له ولا تعنيه مصالحها في شيء.
إيران ليست قديسة وليست شيطاناً هي دولة ذات مشروع تتحرك ضمن تصور استراتيجي لخريطة النفوذ في الإقليم مثلها مثل كل القوى الأخرى.
لكنها مقارنة بإسرائيل مثلاً لم تكن هي من دعم علناً سلطات القمع في المنطقة ولم تكن هي من عملت على تفكيك نسيجها السياسي لصالح منظومة وظيفية تابعة. وإذا أردنا الحديث عن الأذى المباشر فإن المساهمة الإسرائيلية في تمكين الديكتاتوريات في افريقيا – بما في ذلك علاقة تل أبيب القديمة والمتجددة بنظام اسمرا – لا تقارن بما يُلقي على إيران من اتهامات عاطفية. لا يعني ذلك تبرئة لطهران بل رفضاً لقياس التهديدات من منظور مذهبي لا من منظور استراتيجي.
أخطر ما يواجهه العقل السياسي الإرتري اليوم هو هذا الإلحاح على التفكير بالمقدّس في حقل دنيوي واختزال التعقيد السياسي في فتوى دينية أو ولاء طائفي. حين تتحول عقيدة الفرد الى سياسة دولة يفقد القرار معناه ويتحول الى انعكاس تلقائي لتحالفات غير وطنية. ولذلك فإن بناء موقف من أي قوة إقليمية – سواء كانت إيران أو غيرها – لا يجب أن ينطلق من موقع الهوية العقائدية بل من سؤال السيادة:
- من يتيح لنا مساحة مناورة؟
- من يمكن استخدام العلاقة معه لتفكيك العزلة لإعادة التموقع لفتح خيارات مغلقة؟
- من يتيح لك أن تكون فاعلاً لا مفعولاً به؟
فالمصلحة الوطنية لا تدار بمنطق العداوات المقدسة بل تُبنى على إدراك الواقع وموازين القوى. أن تختار “الشر الأقل” لا يعني الخيانة أو المساومة بل تجنب السقوط في حفرة أكبر. وهو ما يتطلب وعياً عميقاً بأننا لا نعيش في عالم الخيارات الطوباوية. كل محور له كلفته والسؤال ليس هل نتحالف أم لا بل مع من يمكن التحالف دون أن نخسر ذاتنا. ليس من سيحمينا من عدونا بل ممن لا يجعلنا نكرّس وجودنا بوصفنا حطباً لمعركته.
ولذلك فإن السياسة ليست حقلاً للفتاوى ولا ساحة تجريب للمثاليات الأخلاقية. انها ميدان إدارة المصلحة ضمن توازنات قاسية. والاصطفاف ليس قراراً أيديولوجياً بقدر ما هو تحصيل حاصل لبنية القوة. ولهذا فإن كل موقف لا ينبني على تصور استراتيجي للمصلحة الإرترية ليس موقفاً وطنياً بل عبئ عليها.
الخلاصة ليست في التبرير لإيران بل في الرفض الكامل لتحويل الخلاف معها إلى عقيدة وتحويل الموقف منها إلى معيار للمواطنة أو الإيمان. كما نرفض تحويل العداء لإسرائيل الى غطاء لتحالفات سلطوية مدمرة. نرفض أيضاً تحويل العداء لإيران لاستدعاء وصيات أخرى لا تقل خطورة بل تفوقها في تجريد الشعوب من قرارها. ما يجب فعله هو استعادة بوصلة التفكير السياسي على قاعدة أن من لا يملك قراره لا يملك حليفه ولا يملك عدوّه.
إن المعركة الحقيقية ليست مع إيران ولا مع غيرها ولكن المعركة الحقيقية مع من صادر وطننا باسم السيادة ومع كل بنية إقليمية تحاول إعادة إنتاج الشعوب كأدوات للضبط والسيطرة. الخيار ليس بين “مع إيران أو ضدها” بل بين أن تكون وطنياً مستقلاً أو تابعاُ بثوب طائفي. وهذه معركة وعي قبل أن تكون معركة تحالفات.
وختاماً فإن السياسة ليست درباً أخلاقياً صافياً ولكنها ليست أيضاً سوقاً للفتاوى والولاءات السطحية. أن تختار “خير الشرين” لا يعني أن تتخلى عن مبادئك بل أن تقرأ المشهد كما هو دون أوهام وتعيد بناء موقفك بناء على سؤال جوهري:
- من الذي يقف ضد مصالح شعبي؟
- ومن الذي يمكن التعامل معه لتوسيع هامش الفعل الوطني؟
وما دون ذلك ضجيج لا يصنع سياسة واصطفاف لا يصنع سيادة.





