“اسياس أفورقي وخطاب الإنكار: قراءة نقدية في غياب الدولة وتضخم السلط.
بقلم الأستاذ : إبراهيم قارو
توطئة: سلطة تتكلم والدولة تغيب
عندما يخرج رأس النظام الإرتري اسياس افورقي في مقابلة تلفزيونية مطولة تمتد لساعات ويستفيض في الحديث عن العالم والنظام الدولي وعن افريقيا والمركزية الاوربية وعن الموانئ والخطوط البحرية والامن الإقليمي دون ان يأتي على ذكر شعبه او أوضاع بلاده او مأزق الدولة التي يحكمها منذ اكثر من ثلاثة عقود فإننا لا نكون امام تحليل استراتيجي عابر بل ،نحن أمام حالة يُستبدل فيها الفعل السياسي بخطاب إنشائي مفرط تُستخدم فيه الكلمات كتعويض عن غياب السياسات والمؤسسات ومن إعادة ترسيم حدود الوطن عبر احاديث كونية بلا مرجعية وطنية.
في مقابلته الأخيرة بتاريخ 19 يوليو2025 لم يكن اسياس افورقي بصدد تقديم تصور سياسي لدولة أو موقف واضح من قضايا داخلية بل بدأ وكأنه يُمارس طقساً سلطوياً لتكريس مركزه الرمزي عبر القفز فوق الواقع والحديث عن كل شيئ ومن اجل إخفاء الفراغ الصارخ في صلب سلطته.
بهذا المعنى لا يمكن قراءة هذه المقابلة التلفزيونية الا بوصفها وثيقة سلطوية تعكس البنية النفسية والسياسية لنظام لم يعد يملك سوى “التحليل” كسلاح بديل و”الحديث” كقناعٍ يغطي غياب الدولة وتآكل السيادة واغتراب النظام عن شعبه.

خطاب مأزوم في هيئة نظرية كونية
الجزء الأول من المقابلة خُصص لما أسماه افورقي استعراضاً للنظام الدولي وتحولاته حيث شنّ نقداً شاملاً للنظام العالمي أحادي القطب متهماً أيه بإدامة هيمنة القوى الكبرى واستعباد الشعوب ومقدماً دول القارة الإفريقية بوصفها ضحية واعدة يمكنها أن تُشارك في نظام عالمي جديد.
في الظاهر يبدوا هذا الخطاب محاولة لقراءة التحولات الجيوسياسية العالمية لكنه في العمق يعكس نوعاً من الانفصال الكامل عن الواقع المحلي. من يتحدث عن العدالة الدولية والمساواة بين الأمم هو نفسه من اقام نظاماً سياسياً قمعياً يحتقر المطالب الشعبية ويمنع الصحافة ويقمع كل تعبير مستقل ويحول الدولة الى جهاز أمني مغلق.
الأدهى من ذلك أن الخطاب يحاول تقديم ارتريا كضحية تاريخية دائمة، بدءاً من مؤامرات الأربعينات، وصولاً الى تآمر قوى الغرب عليها الى اليوم، وكأن التاريخ لا يتحرك إلا لتبرير موقع السلطة، لا لمسائلتها.
هذا النزعة التفسيرية التآمرية لا تقتصر على الخطاب السياسي، بل أصبحت سمة ثابتة في انتاج النخبة الحاكمة منذ الاستقلال. فكل ازمة تُحول الى نتيجة حتمية لمخطط خارجي، وكل فشل يُغسل عبر اسقاط المسئولية على القوى الدولية، لتبقى السلطة دائماً في موقع البراءة والتفوق الأخلاقي.
الهروب إلى الأمام عبر خطاب أفريقي بلا مضمون وطني
الحديث المطول عن إفريقيا وموردها وعبوديتها الحديثة، ولعنة المنظمات غير الحكومية، والتبعية الاقتصادية، وفشل مشاريع التصنيع، هو في ظاهره موقف نقدي ولكنه يكشف مجدداً عن سلوك سياسي مماثل، ويُخفي مفارقة صارخة. فرغم هذه النبرة الحادة فإن ارتريا تحت حكم اسياس افورقي ظلت نموذجاً صارخاً للعزلة والانكفاء، وغياب التنمية ورفض التكامل الإقليمي.
النظام الذي يتحدث عن التصنيع والتكامل، لم يؤسس خلال ثلاثة عقود أي قاعدة صناعية حقيقية، ولم ينخرط في أي مشروع تنموي عابر للحدود، بل أنكر شرعية المنظمات الإقليمية ورفض عضويته في الهيئة الحكومية للتنمية IGAD)) لأكثر من عقدين وقطع علاقاته بكل منظمة لا تتماهي مع خطابه. حتى الاتحاد الافريقي، الذي تظاهر افورقي باحترامه ظل يتعرض ضمنياً للتشكيك في شرعيته بوصفه أداة للقوى المهيمنة.
الخطاب الإفريقي الذي تبناه النظام ليس سوى واجهة أيدلوجية لتبرير الانعزال السلطوي حيث يتم تحميل افريقيا مسئولية التخلف، دون أي مساءلة للسياسات التي جعلت من ارتريا واحدة من أكثر دول القارة انغلاقاً، وهجرة لأدمغتها، وفقراً لموطنيها.
وفي قت سابق كانت حكومة افورقي قد طالبت رسمياً مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة بأنهاء ولاية المبعوث الخاص بالشأن الارتري في محاولة واضحة لإسكات التقارير التي توثق انتهاكاتها المستمرة. ورغم ان اسياس افورقي تجاهل التقرير الأخير للمجلس في مقابلته الأخيرة الا ان الموقف يعكس سلوكا ثابتا والذي يتمثل في انكار الواقع ورفض أي مساءلة دولية تمس طبيعة النظام القمعية.
الهجوم على إثيوبيا ومحاولة الهيمنة على السردية
في الشق الخاص بإثيوبيا، كرر اسياس افورقي خطاب الهجوم الصريح على الحكومة المركزية ورئيس حكومتها ابي أحمد، متهماً إياها بالتحضير للحرب، وبالكذب على المجتمع الدولي، وبالتسبب في انهيار اتفاق “بريتوريا” ومشيراً الى انها تسعى وراء أوهام السيطرة البحرية بدفع خارجي إمارتي.
ما يهم هنا ليس فقط الموقف من اثيوبيا، بل محاولة اسياس افورقي احتكار “الرواية” واحتكار “البراءة”. فهو من جهة يتحدث عن السلم، ومن جهة أخرى لا يجيب على سؤال جوهري:
- ما الدور الذي لعبه نظامه في الحرب على إقليم تقراي؟
- ولماذا استمر الحشد العسكري على الحدود بعد انتهاء المعارك؟
- ولماذا يتحول دوما الى خصم حاد لكل سلطة اثيوبية لا تخضع لتصوراته؟
- بل لماذا يضع نفسه دائماً في موقع الوصي الإقليمي الذي يملك الحق في تقرير مآلات القرن الإفريقي؟
هذه النزعة نحو هندسة الصراعات الإقليمية ليست سوى استكمال للسياسة التي حكمت سلوك النظام منذ التسعينات حين خاضت ارتريا حروباً مع اثيوبيا واليمن والسودان وجيبوتي.
خطاب اسياس افورقي اليوم هو الوجه الكلامي لسياسة قديمة لطالما اعتمدت على زعزعة الاستقرار الإقليمي بدلاً من بنائه. النفوذ بالنسبة للنظام الارتري، لا يكتسب عبر بناء دولة مستقرة او مؤسسات فاعلة بل عبر التدخل في النزاعات، وتأجيج الصراعات، والتموضع داخل تشققات الآخرين.
تفكيك البنية النفسية للخطاب
من زاوية نفسية سياسية تحمل المقابلة سمة مركزية – التضخم الذاتي الخطابي الذي يعوّض انكماش الدولة. “افورقي” الذي لم يجر انتخابات ولا يملك دستوراً نافذاً، ولم يسمح ببرلمان ولو صوري ولا قضاء مستقل، ثم يأتي ويحدث الناس ساعتين عن العالم. يتحدث عن الأمم والشعوب والبحر الأحمر والخليج وافريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، ولا يتحدث عن التعليم في بلاده ولا عن اقتصاده المتدهور ولا عن الحريات ولا عن المنفى والسجن الكبير الذي يعيشه نصف شعبه تحت حكم نظامه.
هذا الانفصال عن الواقع ليس مجرد تجاهل للواقع، بل هو تعبير عن سلطة ترفض أن تُربط بالوطن. فهو يحاول ان يعيد تعريف السلطة كقوة متعالية على المجتمع، وتنكّر للحدود الوطنية لصالح حدود ذهنية ترتبط بالمركز الرمزي لأفورقي الحاكم، وليس بالجغرافيا السياسية للشعب. المواطن غير حاضر والدولة غير معنية، والمؤسسات غير قائمة، والوطن يتحول الى مجرد نقطة عبور، في مشروع سلطوي لا يعرف الحدود.
النافذة الاجتماعية وردة الفعل في الداخل والخارج
ما يكشف خواء هذا الخطاب أكثر من أي تفنيد نظري، هو الصمت الشعبي الذي استقبل به. في الداخل لم يعد لخطابات افورقي أي وقع سياسي يذكر، بل تُنظر اليها بوصفها طقساً سلطوياً متكرراً لا يغير من واقع القمع شيئاً. الاغلبية لا سيما فئة الشباب، لا تراه زعيماً يتحدث باسمهم، بل يرونه واجهة مأزومة لنظام سلبهم الحياة والأمل. في معسكرات الخدمة المفتوحة، وفي مراكز الاحتجاز، لا أحد يناقش النظام العالمي او مستقبل افريقيا، بل السؤال الوحيد لديهم هو كيف نغادر هذا الجحيم؟
أما في الشتات فقد كان التفاعل أكثر حدة، حيث عُد الخطاب استمراراً في انكار الواقع. في أوساط الجاليات الارترية بالخارج، خصوصاً في أوروبا وامريكا وكندا، لم يُفهم الخطاب الا باعتباره إعادة انتاج لأسطوانة قديمة. الناشطون السياسيون، واسر الضحايا، والمنظمات الحقوقية، تداولوا اجزاءً من المقابلة بوصفها شاهداً على انعدام المسئولية، وكمادة هجائية أكثر من كونها بياناً سياسياً. والمثير حتى بعض الأصوات المؤيدة للنظام سابقاً، بدأت تُبدي تململاً من هذا الاستغراق في الإنكار ما يُشير الى أن الخطاب لم يعد يملك حتى القدرة على تضليل جمهوره التقليدي. هكذا يتحول الخطاب من وسيلة للشرعية الى وثيقة إدانة ذاتية. فهو لا يقول فقط ما يريده النظام، بل يكشف عما لم يعد ممكناً قوله – لا مستقبل ولا مشروع ولا شعب.
خاتمة: حين تنطق السلطة بكل شيء لتخفي غيابها
لم تكن مقابلة اسياس افورقي مجرد استعراض للمواقف، بل كانت فعلاً سلطوياً خالصاً، هدفه الأعمق إعادة انتاج شرعية متآكلة من خلال اغراق الجمهور في تشخيص مشكلات العالم الذي ينهار. الخطاب ليس تحليلاً سياسياً، بل هو نوع من الهذيان السلطوي المتعالي، حيث تتحول فيها الجغرافيا الى مسرح بديل عن الجغرافيا الحقيقية، وتتحول “المؤامرة” الى العقيدة الوحيدة التي تبرر كل فشل.
ما تكشفه هذه المقابلة هو تعري البنية السياسية للنظام الارتري أمام ذاته قبل أن تكون أمام الخارج. رئيس الدولة بعد أكثر من ثلاثين عاماً في السلطة، لا يجد ما يقوله عن شعبه أو مؤسسات بلاده، ويتجاهل تماماً أوضاع الداخل، ليُعيد انتاج خطابه على هامش قضايا خارجية لا يملك التأثير الفعلي عليها.
هذا الهروب من الواقع المحلي ليس عارضاً بل هو جوهر ممارسته للسلطة-اختزال الوطنية في الولاء الشخصي وتحويل السيادة الى خطاب دفاعي ضد المجتمع الدولي بدلاً من ان تكون تعبيراً عن إرادة المواطنين. ما يتحدث عنه النظام اليوم ليس سياسة بل هو انكار لحقيقة ان الدولة قد تآكلت من الداخل، وان السيطرة الأمنية لا تعني الشرعية.
وفي هذا السياق يبدو مستقبل النظام مرتهناً بمزيد من الانفصال عن الواقع، وتمسكٍ متزيد بالخطاب الدعائي كأداة للبقاء، بدل الانخراط في سياسات فعلية تستجيب لتحديات الداخل. فبدل ان يعيد تعريف أولوياته وفقاً لمطالب المجتمع او يُعالج أسباب الازمة الوطنية، يواصل النظام استخدام اللغة السياسية كشكل من اشكال التمويه، دون أي إرادة لتغيير حقيقي في بنية الحكم او نمط علاقته بالمجتمع.
استمرار تجاهل الداخل، وتفكك الشرعية الاجتماعية، وتنامي القطيعة بين النظام والمجتمع، يجعل من احتمالات التحول إما انزلاقاً نحو مزيد من الانغلاق، او انفجاراً مفاجئاً خارج معادلات النظام نفسه. وفي الحالتين فإن إعادة انتاج السلطة عبر الخطابات لم تعد ممكنة في ظل متغيرات إقليمية ودولية لم تعد تمنح شرعية لمن يحكم خارج الزمن السياسي لشعبه.
ابراهيم قارو





